الصفحة الأساسية > عربي > #قاوم ! > ارفعوا أيديكم المجرمة عن المهاجرين !
ارفعوا أيديكم المجرمة عن المهاجرين !
الأربعاء 16 أوت 2023، بقلم
تشهد بلادنا موجة عنصرية متصاعدة تستهدف المهاجرين السود من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء. وقد مثّل خطاب قيس سعيد أمام مجلس الأمن القومي في 21 فيفري الفارط تبني رسمي لما تروّجه مجموعات فاشية عنصرية على شبكات التواصل الاجتماعي وإشارة الانطلاق لمسلسل الاعتداءات والرعب الذي أصبح يعيش على وقعه المهاجرون السود في تونس.
وقد لقي ذلك استنكارا واسعا من القوى الديمقراطية والمنظمات الانسانية في الداخل والخارج، خصوصا بعد عمليات الترحيل القسري الجماعي نحو الصحراء على أبواب الحدود التونسية الليبية لمئات المهاجرين في الأسابيع الأخيرة، ممّا أودى بحياة العديد منهم تحت وطأة الجوع والعطش.
ديماغوجيا ومغالطات بالجملة
أوّلها التهويل من حجم ظاهرة الهجرة الغير نظامية، حيث اعتبرها قيس سعيد "توطينا" يهدف إلى "تغيير التركيبة الديمغرافية لتونس" ويهدّد "هويتها العربية الاسلامية"، مستعيرا بذلك نظرية "التعويض الكبير" (le grand remplacement) التي تروّجها حركات فاشية في أوروبا. إن الحقيقة غير ذلك، إذ يقدّر عدد المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء بين 50.000 و60.000 نفرا.
وثانيها تصنيف المهاجرين كمجرمين وكخطر محدق ببلادنا، وهو أمر لا يستند إلى أيّة براهين، وحتى المعطيات الأمنية الرسمية لا تؤكّد هذا الادّعاء. الواقع عكس ذلك تماما، فأغلب المهاجرين السود يعيشون من كدّهم وعملهم رغم ما يعانونه من استغلال فاحش، وهم يمثلون قوّة عمل بخسة على ذمّة الأعراف دون التمتّع بأبسط الحقوق، ناهيك عمّا يتعرّضون إليه من اعتداءات عنصرية في حياتهم اليومية.
معالجة أمنية ولاإنسانية
كما أشرنا إليه أعلاه، كان خطاب قيس سعيّد بمثابة إشارة الانطلاق لمختلف الاعتداءات العنصرية التي استهدفت السود في الأماكن العامة. ثمّ تلته تعليمات للإدارة والسلط وقطاع الخدمات لملاحقة المهاجرين والتضييق عليهم في حياتهم اليومية (العمل، استعمال وسائل النقل، السكن…)، قبل المرور إلى السرعة القصوى عبر الإيقافات والترحيل القسري الجماعي نحو المناطق الحدودية في ظروف لا إنسانية.
ولئن يأتي ذلك في إطار محاولة بائسة للتغطية عن فشل نظام قيس سعيّد في توفير أبسط الضروريات للتونسيات والتونسيين وتوجيه نقمتهم نحو عدوّ وهمي، فإنه يندرج ضمن سياسة بثّ التفرقة في صفوف المجتمع وضمن نظرية المؤامرة التي ينهل منها قيس سعيّد ومافتئ يعتمدها لإحكام قبضته على البلاد والعباد، كما أنّ القمع المسلّط عليهم هو جزء من القمع الذي يلجأ إليه لإخماد الحركة الاجتماعية.
على صعيد آخر، لا تختلف معالجة سعيّد الأمنية لملف الهجرة عن سياسات الاتحاد الأوروبي والقوى العنصرية المتطرّفة هناك في هذا المجال. بل هي في الحقيقة امتداد لها واستجابة ذليلة لأوامر الاتحاد الأوروبي الرامية لتحويل بلادنا إلى حارس لحدوده مقابل بعض الفتات الذي لا يسمن ولا يغني عن جوع. وهو ما نصّت عليه مذكرة التفاهم التي أمضاها نظام قيس مع الاتحاد الأوروبي في 16 جويلية الماضي.
الأسباب العميقة للهجرة
تبيّن مختلف التجارب عبر العالم قصور السياسات الأمنية عن مراقبة حركة الهجرة، والتي تعرف رغم ذلك تصاعدا مستمرّا. إن الأسباب التي تدفع ملايين البشر إلى الهجرة والمخاطرة بحياتهم متعدّدة.
فالأزمة المناخية، التي عمّقها نمط الانتاج الرأسمالي المدمّر للطبيعة، تدفع بعدد متزايد من سكان القارة الإفريقية إلى الهجرة.
صنف آخر هو الهجرة الاقتصادية بحثا عن الشغل ومقومات العيش المفقودة جرّاء التبعية وهشاشة البنى الاقتصادية. ونخصّ بالذكر في هذا المجال السياسات الفلاحية التي اعتمدها مستعمر الأمس، وعمّقتها هيمنة الاحتكارات الفلاحية العالمية اليوم، التي قضت على زراعة الكفاف (agriculture vivrière) في العديد من البلدان الإفريقية.
تنضاف إليهما الهجرة لأسباب سياسية اتقاء لقمع الأنظمة دكتاتورية وهروبا من مناطق الحروب والنزاعات.
كل ذلك يجعل من حركة الهجرة التي تعرفها القارة الإفريقية حتمية لا مناص منها في ظل المنظومة الاستعمارية الجديدة والأنظمة العميلة المرتبطة بها.
التضامن الأممي في وجه بربرية رأس المال
كما في سائر المجالات، يكيّف النظام الرأسمالي حركة البشر وفق مصالحه ويخضعها لحاجياته. فحرية التنقل مسموح بها فقط عندما يتعلّق الأمر بتغطية ما يحتاجه من اليد العاملة والكفاءات. كما يسلب العديد من العمال من حق الإقامة ليجعل منهم احتياطيا غير مكلف لأرباب العمل ودون حقوق.
إن حياة آلاف الغرقى في المتوسّط والموتى عطشا وجوعا في الصحراء لا تعني الكثير بالنسبة لسعيّد وميلوني أمام مصالح الأثرياء وجشع رأس المال.
مقابل ذلك، تكمن مصلحة عمال وشعوب العالم اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، في التضامن والوحدة للنضال سويّا من أجل الخلاص من دكتاتورية رأس المال وإقامة مجتمع العمل والتآخي.
حزب العمال (تونس) - فرع فرنسا